أصفياء الأصفهاني... بين الماضي والحاضر

خواطر صعلوك

انتقيت لك عزيزي القارئ من كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء للحافظ أبي نعيم الأصفهاني، المتوفى سنة 430 هجري، بعض العبارات التي كان يبدأ بها ترجمة وسيرة من اعتقد أنهم خير الخلق الذين عاشوا منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم... وحتى كتابة الأصفهاني لمجلداته.
ويبدو أن الأصفهاني - رحمه الله - كانت له طريقة في الترجمة والسير، حيث يصف لك الشخصية في سطر أو سطرين، بلغة عالية ومكثفة... ثم يبدأ بعد ذلك في تفصيل الشخصية حسب ما قالته أو قيل عنها من آثار.
وبذلك فإن الأصفهاني يقدم لنا معيار السلوك والوعي الاجتماعي الذي يرغب في رصده، من خلال هذه العبارات التي كان يبدأ بها سيرة «الأولياء والأصفياء»، ثم التفصيل في حياتهم ويومهم... اللهم اجعلنا منهم.
يقول عن عبدالرحمن بن مهدي:
- الإمام الرضي، والإمام القوي، ناقد الآثار، وحافظ الأخبار، كان للسنن والآثار تابعاً، وللآراء والأهواء دافعاً.
ويقول عن منصور بن عمار:
- كان لآلاء الله واصفاً، وعلى بابه عاكفاً، ويحوش العباد إليه، ويلح في المسألة عليه.
ويقول عن أحمد بن أبي الحواري:
- الزاهد في السراري، النابذ للجواري، العابد في القفار البراري، كان لفضول الدنيا قالياً، وعن الملاذ سالياً، وفي مكين الأحوال عالياً، ولصحيح الآثار حاوياً.
يقول عن يحيى بن معاذ:
- المادح الشكار، القانع الصبار، الراجي الجآر الواعظ الذكار، لزم الحداد توقياً من العباد، واستلذ السهاد تحرياً للوداد، واحتمل الشداد توصلاً إلى الفناد.
عزيزي القارئ، تستوقفني عبارات كثيرة من الكتاب لوصف الناس الذين عاشوا قبلنا، واستحقوا أن تخلد ذكراهم في الكتب، بأجمل ما قيل في العباد... فهذا جذبه الحب واستلبه الخوف، وذاك سلك مسلك الخضوع والخشوع، وآخر قيل فيه إنه من اللهو والزمر محفوظ، ورابع وُصفت حياته على أنه كان شاعراً أديباً، فصار صابراً أريباً، رغب عن الدنيا بعد أن كان لها واقفاً، وأقبل على المعاد وصار للتزود عاشقاً.
وكما تعلم أيها القارئ الأريب، إن أمثال هؤلاء الناس الذين كتب عنهم أبو نعيم الأصفهاني، لا يمثلون أي معيار للنجاح وفق قواعد السلوك أو الحياة المرجوة في الوعي الاجتماعي الحالي، وقليل جداً من الآباء من يربي أبناءه على سير هؤلاء، فوفقاً لتقرير الشرطة، ووفقاً لكلب تعقب الأثر، فإن أغلب الناس تتكالب على الدنيا.
ومن لم يكن ضميره مطاطاً ومرناً بما يكفي، فسيجد أن المجتمع قد حوله إلى تمثال، يزيَّنونه ويأخذونه ويضعونه على منصة المتحف، لكي يرى الزوار مجده، وقد كتب أسفله في القاعدة النحاسية للتمثال هذه العبارة التي بدت مفهومة لكل الزوار:
- بحث عن الحقيقة... فتجمد.
ورغم أن كل الزوار يعلمون أن كل ما اتصل بالله، موصول. وكل ما اتصل بسواه، مقطوع... إلا أن ضميرهم مرن بما يكفي، لكي يتصالحوا مع هذه المتناقضات.
وكل ما لم يذكر فيه اسم الله... أبتر.

@moh1alatwan

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا