الروائح العطرية... هل «تُرسِّخ» معلوماتك أثناء نومك؟

علم النفس التعليمي

إذا شمَّ شخص رائحة عبير عطري في أثناء تلقّيه معلومات جديدة ثم نام بعدها وإلى جانبه مصدر تفوح منه رائحة ذلك العبير العطري ذاته، فهل يُسهم ذلك في تثبيت وترسيخ المعلومات في ذاكرته؟
باحثون ألمان توصّلوا إلى إجابة عن ذلك السؤال...

سعت دراسة رائدة جديدة، أجراها باحثون ألمان ونشرت نتائجها في العدد الحالي من مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» العلمية، إلى استكشاف مدى تأثير الروائح العطرية الفواحة على الذاكرة والتعلُّم، وما إذا كان ذلك التأثير يمتد إلى فترة النوم.

آلية عمل الذاكرة
في كل ثانية من ساعات يقظتك، يندفع مزيج من المعلومات إلى دماغك عبر كل واحدة من حواسك الخمس - البصر والسمع واللمس والذوق والشم - في انسجام تام. ومن بين هذا المزيج المتداخل، يلتقط دماغك المعلومات الأبرز ليصوغ لك تصوراً متكاملاً لما يحدث حولك. وتنتقل مجموعة صغيرة منتقاة من هذه المعلومات الحسية إلى ذاكرتك قصيرة الأجل، ثم ينتقل جزء أصغر إلى ذاكرة التخزين طويلة المدى، وهي الذاكرة التي تتيح لك استرجاع وتذكُّر التفاصيل في وقت لاحق.
وهكذا فإن تعلُّم أي شيء جديد يعتمد على تحويل التفاصيل من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، وهو الأمر الذي يحدث من خلال عملية تُسمَّى «الترسيخ» التي تقوم بدور حيوي في بناء مخزون الذكريات.
من هذا المنطلق، سعت الدراسة البحثية الرائدة، التي أجريت تحت قيادة أستاذ علم النفس التعليمي البروفيسور يورغن كورنماير، إلى محاولة فهم الدور الذي تقوم به الروائح العطرية المختلفة في عملية «الترسيخ» تلك، سواء في ساعات اليقظة أو في أثناء النوم.

حاسة الشم... والذاكرة
على مر السنين، دأب العلماء على التساؤل حول ما إذا كانت هناك علاقة ارتباطية بين حاسة الشم والذاكرة، وما إذا كان ممكناً أن يكون لتلك العلاقة دور مفيد في تعزيز قدرات التعلُّم.
وفي سياق الدراسة الجديدة، شرع الباحثون أولاً في محاولة فهم ما إذا كان هذا الارتباط يمكن أن خارج المختبر، حيث اختاروا 54 طالباً من طلاب الصف السادس في ألمانيا للمشاركة كمتطوعين ووزعوا عليهم أعواداً تفوح منها رائحة عبير الورد، وطلبوا من كل واحد منهم أن يواظب على شم رائحة تلك الأعواد خلال دراسة مفردات اللغة الإنكليزية في المنزل. وبعد مرور أسبوع من دراسة الطلاب للمفردات في المدرسة وفي المنزل، جلسوا لتأدية سلسلة اختبارات.
وقام الباحثون بتقسيم نصف الطلاب المشاركين إلى أربع مجموعات تجريبية خلال تلك الاختبارات:
• المجموعة 1: لم يتم تعريضها إلى شم أي روائح.
• المجموعة 2: تعرّضت إلى شم رائحة عبير الورد في أثناء الدروس المدرسية، وخلال المذاكرة في المنزل، وأثناء اختبارات المفردات.
• المجموعة 3: تعرضت إلى شم رائحة عبير الورد خلال المذاكرة في المنزل، وخلال كل ليلة قبل الاختبار، ولكن ليس أثناء الاختبارات.
• المجموعة 4: تعرّضت إلى شم رائحة عبير الورد خلال التعلُّم في المنزل، وكل ليلة قبل الاختبار، وخلال الاختبارات.
أما الطلاب الذين لم يتعرضوا لأي روائح في أي وقت فإن الباحثين استخدموهم كمجموعة ضبط محايدة.

نتائج الدراسة
وفي ضوء نتائج الطلاب في الاختبارات، لوحظ أن أداء أفراد المجموعتين 3 و 4 جاء أفضل بنسبة 35 في المئة من أداء أفراد المجموعتين 1 و 2. وبالنسبة لأفراد المجموعة 2 الذين تعرضوا لرائحة العبير أثناء التعلُّم وأثناء الاختبارات ولكن ليس أثناء نومهم، فإنهم لم يبدوا أي تحسن ملموس في الأداء.
وقال البروفيسور كورنماير إنه هو وزملاءه الباحثين خلصوا من خلال تلك النتائج إلى أنه إذا شم شخص رائحة عبير عطري في أثناء تلقيه معلومات جديدة ثم نام بعدها وإلى جانبه مصدر تفوح منه رائحة ذلك العبير العطري ذاته، فإن ذلك يعزز تثبيت المعلومات في الذاكرة ويجعل تذكُّرها في وقت لاحق أسهل وأسرع.
ويأمل كورنماير وزملاؤه أن تسهم استنتاجات هذه الدراسة في استخدام الروائح العطرية كأداة من أدوات تعزيز قدرات التعلُّم سواء لدى طلاب المدارس أو غيرهم من البالغين الذين يحتاجون إلى اكتساب خبرات جديدة لتعزيز فرصهم في العمل والتوظيف.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا