يسّروا ولاتعسّروا

قيم ومبادئ

هذا المبدأ النبوي الشريف ينبغي أن يكون رأسمال الدعاة إلى الله تعالى اليوم، خصوصاً في هذا الزمان الذي غلبت عليه الغفلة وعمّ فيه الجهل ورقّ فيه الدين وشحّت فيه النفوس، فما أحوجنا اليوم لهذا التوجيه الشريف الذي متى ما قام به الناس صحّت عباداتهم ومعاملاتهم، والتيسير في كل شيء مطلوب كما يشير الحديث، والراحمون يرحمهم الرحمن، ولكن ليس معنى التيسير تسليك الانحراف وتبرير الخمول وتمرير الصفقات للمتنفذين فليس هذا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما المراد أن يسلك الإنسان طريق التيسير والبشارة دائماً في حياته ومعاملته وعبادته من أجل أن يتفاءل الإنسان وينشط في مسيرته إلى الله، فالله تعالى يريد بنا اليُسر ولا يريد بنا العسر، وهذا التيسير إنما هو للطريق الموصلة إلى رضوانه، ولهذا فإن جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإذا عرضت بعض العوارض الموجبة لثقل التكاليف سهّل الله تعالى تسهيلاً آخر قال الفقهاء (المشقة تجلب التيسير)، وإذا حصلت مشقة في بعض التكاليف من دون قصد، فهنا يزداد الأجر فمثلاً إسباغ الوضوء على المكاره يرفع الله به الدرجات.
وإذا اشتدت المشقة في بعض الأحيان فإن الله تعالى يسهل تسهيلاً ثالثاً، وهو إباحة المحرّم مثل الميتة والدم للمضطر وذلك بمقتضى رحمته تعالى التامة بعباده وإحسانه الشامل وعلمه بضعف الإنسان من جميع الوجوه، فهو ضعيفٌ في بُنيته وضعيفٌ في إرادته وضعيفٌ في عزيمته، وضعيفٌ في إيمانه، وضعيفٌ في قلة صبره، وضعيفٌ في بصيرته، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه ما يَضْعُفُ عنه ولا يُطيقُهُ إيمانهُ وصبرهُ وقوتهُ.
وإذا سلك الإنسان طريق التيسير في حياته، وترك التعسير استقامت أموره وأحبه الناس ورغبوا في الجلوس معه كيف لا والله تعالى يقول: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ)
ثم بعد ذلك عليه أن يسلك طريق البشارة وهي التفاؤل والترغيب وبشاشة الوجه والتبسّم وعليه أن يبشِّر نفسه بكل خير، وإذا صام رمضان عليه أن يبشّر نفسه بأن الله سيتقبل منه صيامه، وإذا قام رمضان بَشّر نفسه بأن الله تقبل منه قيامه، وإذا دعا الله تعالى بشر نفسه بأن الله تعالى تقبل منه دعاءه وهكذا.
وإذا سلك الإنسان طريق البشارة مع نفسه عليه أن يسلكها مع غيره من الناس، فإذا عاد مريضاً عليه أن يبشره بالصحة والسلامة وعظم الأجر حتى يُدخل السرور على نفسه.
كما أن عليه أن يتعامل مع الناس بحسن نية ويترك سرائرهم إلى الله تعالى ولا يتجسس ولا يتحسس، وعليه أن يقبل العفو من الناس أي ما سمحت به أنفسهم وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم مالا تسمح به طبائعهم بل يشكر من كل أحد ما قابله به من قول وفعل جميل، أو ما هو دون ذلك ويتجاوز عن تقصيرهم ويغضّ طرفه عن نقصهم، ولا يتكبرعلى الصغير لصغره، ولا ناقص العمل لنقصه ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع بالتيسير والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح به صدورهم وعليه أن يختار من الألفاظ كل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد، واجعل ما يأتي إلى الناس منك إما تعليم علم أو حث على الخير أو إصلاح بين الناس أو نصيحة نافعة أو رأي مصيب أو معاونة على خير أو زجر عن قبيح.

الخلاصة:
اعلم أنك إذا عملت بهذه الأخلاق سيعارضك كل جاهل بجهله وكل سفيه بسفهه، فلا تقابلهم بأسلوبهم بل باللين واليُسر وحتى من ظلمك اعدل معه.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا