أمل خضير


أمل خضير لـ «الراي»: الجيل الحالي أساء إلى الأغنية العراقية

حوار / «رحلتي إلى الكويت تخللتها بعض المطبات»

«غرستُ في هذه الأرض أجمل ذكرياتي».
هكذا، وبكل لهفة وحنين، عبّرت «فراشة الغناء» المطربة العراقية القديرة أمل خضير عن فرحتها العارمة فور دخولها الكويت، موضحةً في حوار مع «الراي» أنها لم ترَ «وطن النهار» منذ العام 1983، حين أحيت حفلاً غنائياً كبيراً في «الشيراتون» مع رفيق دربها الفنان الراحل فؤاد سالم، لافتة إلى أن طريقها إلى الكويت لم يكن معبداً بل تخللته بعض المطبات، لتردي الأوضاع الأمنية في العراق.
خضير، أوضحت أن الجيل الحالي من الفنانين أساء بشكل بالغ إلى الأغنية العراقية الأصيلة، مؤكدةً أنه من كل ألف صوت يصدح على الساحة هناك صوت واحد جميل، مستدركة: «لكن (لو خُليت خُربت)، فهناك بصيص أمل بأن الإرث الفني لا يزال بخير».

• في البداية، نود التعرف على مشاعرك وأنتِ هنا في الكويت؟
- شعوري يفوق الوصف ويعجز عنه التعبير، فأنا لا أعتبر نفسي غريبة عن هذه الأرض الطيبة، التي غرست فيها أجمل ذكرياتي. اشتقت إلى كل بيت زرته من قبل، ولكل شارع مررتُ به. هناك الكثير من الأشياء قد تغيرت بشكل جذري، للأحسن طبعاً، والشعب الكويتي «يستاهل» هذه الحياة الكريمة وهذا العيش الهانئ، وأنا أحبهم «كلش هوايا».
• هل تتذكرين آخر زيارة لك إلى «وطن النهار»؟
- ما زلتُ أتذكر كل شيء، فكيف أنسى تلك الأيام الخوالي؟... آخر مرة وطأت قدماي أرض الكويت في العام 1983، حيث أحييت حفلاً كبيراً مع رفيق دربي الفنان العراقي الراحل فؤاد سالم، وكان ذلك في فندق الشيراتون.
• بالرغم من علاقتك الطيبة مع الكثير من الفنانين في العراق، إلا أن هناك كيمياء خاصة بينك وبين فؤاد سالم، ما السبب؟
- هذا صحيح. ربما لأن كلينا يتحدر من مدينة البصرة، بالإضافة إلى أنه جمعتنا الكثير من الحفلات الغنائية في مناسبات مختلفة، داخل العراق وخارجه، لكن الفارق بيننا أنني بدأت مسيرتي الغنائية قبله بسنوات طويلة. ثم فرقتنا الظروف، ولم ألتق به إلا في العام 2007 في العاصمة السورية دمشق، حيث كان يقيم هناك.
• هل كان طريقك إلى الكويت سالكاً أم تخللته العراقيل والمطبات، خصوصاً في ظل ما يشهده العراق حالياً من اضطرابات أمنية؟
- وجدت بعض الصعوبات قبل مجيئي، إلى حد أنني حاولت تغيير موعد الحجز للطائرة، لكنني لم أستطع لانقطاع الإنترنت عن بغداد وضواحيها.
• هل ما زلتِ تعيشين في مسقط رأسك مدينة البصرة؟
- بل انتقلت إلى العيش في أحد الأحياء المحاذية للمنطقة الخضراء في بغداد، ولم أزرْ البصرة منذ 6 سنوات تقريباً.
• لأغنياتك الطربية مثل «سلم عليّ» و«أتوبه من المحبة» وغيرهما، رونق خاص لدى عشاق الطرب، فما سر الخلود لهذه الأغاني حتى يومنا هذا؟
- باعتقادي أنه أي أغنية يتم بناؤها على أسس صحيحة، وتجتمع بها الأضلع الثلاثة «الكلمة واللحن والأداء» بالإضافة إلى الإحساس، فإنها حتماً ستكون أغنية متكاملة، وسيخلّدها التاريخ لا محالة.
• في رأيك، هل تعتبر الأغنية العراقية الحالية امتداداً إلى أغاني الزمن الجميل؟
- بل إن ما يقدم اليوم لا يعدو كونه تشويهاً لكل ما هو أصيل في الموروث الغنائي. وأصلاً لا توجد أغنية عراقية بالمعنى الحقيقي للأغنية، لأن الجيل الحالي أساء بشكل بالغ للغاية لأغاني الزمن الجميل. لكن «لو خُليت خُربت»، فهناك بصيص أمل بأن الإرث الفني لا يزال بخير، وذلك بجهود بعض المبدعين الشباب، ممن يعملون بدأب للمحافظة على رفعة الفن العراقي بشكل عام.
• قد يخالفك البعض في الرأي، لا سيما من يرى أن الجيل الحالي أسهم في انتشار الأغنية العراقية في أرجاء العالم العربي؟
- أنا لا أنكر أن هناك أصواتاً جميلة، ولكن من كل 100 صوت سيئ هناك صوت واحد جميل، هذه الحقيقة. كلامي هذا ليس تثبيطاً لأحلام الشباب، وأنا لست ضد أغانيهم، ولكنني ضد كل عمل يقدمونه ولا يخدم المجتمع، بشكل أو بآخر، لأن الأغنية مضمون وهوية ورسالة، يجب أن يفهموا هذا. هل تعتقدون أنه لم تُعرض عليّ أغانٍ لكي أؤديها بصوتي في السنوات الماضية؟ بالطبع عرضت عليّ، ولكنني لا أغني أي شيء، بل أفضّل الجلوس في بيتي، عوضاً عن الغناء بلا هدف أو قيمة.
• ما هي الأغنية التي تلامس مشاعرك بقوة كلما أديتها؟
- أغنية «أحاول أنسى حبك».
• لماذا هذه الأغنية بالذات؟
- لأنها قريبة جداً من نفسي، وتشكل «ربط خاص في حياتي»، حيث سجلتها بصوتي مرتين، وفي كل مرة أؤديها كنت أجهش في البكاء.
• ظهرتِ كممثلة في الكثير من المسرحيات، على غرار «التراب» و«فوانيس» و«الطنطل»، بيد أنك هجرتِ التمثيل بعد ذلك؟
- أثناء تواجدي ضمن كورس «فرقة الإنشاد العراقية» في منتصف الستينات، كانوا يستعينون بي للمشاركة في بعض الأعمال المسرحية والتمثيلية، بسبب قلة العنصر النسائي وقتذاك، ولكنني «خفت أضيع» بين التمثيل والغناء، فاخترت المجال الأخير لأنه الأقرب إليّ من أي مجال آخر. علماً أنني عملت أيضاً في بداية السبعينيات كمذيعة في برنامج القوات المسلحة لمدة سنتين.
• كونك إحدى الخريجات من برنامج «ركن المواهب»، كيف تقيمين هذه النوعية من البرامج ما بين الأمس واليوم؟
- بالفعل، كانت بدايتي في هذا البرنامج خلال العام 1963، حيث غنيت حينها إحدى أغاني العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، وكانت مشاركتي بمثابة شهادة تخرج كمطربة واعدة في ساحات الغناء. مع احترامي لبرامج المواهب الحالية، وللجان التحكيم فيها، لكنني لست مقتنعة بما يقدمونه. في السابق كانت لجان التحكيم تضم عمالقة المطربين والملحنين، أما اليوم فأكبر فنان في تلك اللجان لا يتعدى عمره الفني سوى 20 أو 25 سنة، وهذا ليس انتقاصاً منهم أو طعناً لهم، وإنما لا بد من وضع النقاط على الحروف، وأن نقولها بكل شفافية بأن هناك بوناً شاسعاً ما بين الماضي والحاضر في ما يتعلق ببرامج المواهب.
• كيف تقيمين مستوى الأصوات النسائية الحالية، مثل الفنانة رحمة رياض والفنانة أصيل هميم، وغيرهما؟
- «ما ريد أزعِّل أحد»، ولكن على الفنانين الجدد الاشتغال أكثر على أنفسهم، وأنصحهم بالتمرن على الأداء وحسن الاختيار، للكلام وللحن، والابتعاد عن الغرور لأنه مقبرة الفنان.
• لماذا أنت متوارية عن الحفلات والجلسات، كتلك التي كنتِ تقدمينها في السابق مع الفنانين سعدون جابر وياس خضر وسعدي الحلي وغيرهم؟
- لم تعد هناك دعوات تقدم إلينا مثل زمان. الغريب أن العديد من الجلسات التي يتم تقديمها بين الحين والآخر، مثل جلسات «وناسة» يتغنى ضيوفها بأغانينا القديمة، أليس من الأولى أن من يشدو بتلك الأغاني هم أصحابها الأصليون!
• هل تعتقدين أن الفنانين الكبار من طراز كاظم الساهر، مقصرون مع جيل الرواد؟
- بالنسبة إلى كاظم فهو لم يُقصّر على الإطلاق، حيث سبق وأن دعاني للغناء في ليلة عراقية بدولة قطر في العام 2005. كما شاركني الغناء فيها، إلى جانب الساهر، كل من ياس خضر وحسين نعمة.

من قال إن الصوت الجميل لا يدوم؟

«الصوت الجميل، لا يشيخ أبداً»!
هذا ما ثبت فنياً، خلال الحفل الذي أحيته «فراشة الغناء العراقي» الفنانة أمل خضير، أول من أمس، ضمن فعاليات الموسم 25 لدار الآثار الإسلامية، وذلك في مركز اليرموك الثقافي.
خضير، قدمت خلال الحفل 12 أغنية وموالاً، حيث استهلت وصلتها بأغنيتها الشهيرة «سلم بعيونك الحلوة» من كلمات أبو سرحان ومن ألحان محمد عبدالمحسن، ولاقت الأغنية تفاعلاً كبيراً من جانب الجمهور، الذي تمايل طرباً مع موسيقاها العذبة.
بعدها، قدمت أغنية أخرى، يحفظها الجمهور الكويتي عن ظهر قلب، إذ يقول مطلعها: «أتوبه من المحبة القلب ما يتوب/ يعاندني ويقولي وعد مكتوب»، وهي من كلمات الشاعر عباس العزاوي ومن ألحان عباس جميل.
ومن باب الوفاء والاعتزار برفيق دربها المطرب العراقي الراحل فؤاد سالم، حلّقت «فراشة العراق» بأغنية «أنا يا طير» التي تألق بها سالم من قبل، حيث اشتعلت المدرجات هتافاً وتصفيقاً، واشتد لهيبها كلما اعتلى صوت «الكاسور».
ثم جابت أمل خضير بساتين الطرب العراقي الأصيل، فاستعارت من الفنانة الراحل سليمة مراد تحفة غنائية، من أبياتها: «يا يمه أثاري هواي سلوى إلي بدنياي/ بلكاس أشوفه يلوح لو ردت أشرب الماي».
كما عرجت على روائع ناظم الغزالي، لتشدو من أغانيه «فوق النخل»، التي عزفت على شغاف القلوب أجمل الذكريات. تبعتها بأغنية للفنان القدير ياس خضر «مرينا بيكم حمد» التي نسج أبياتها الشاعر مظفر النواب، وهي من الأغاني الخالدة التي لا تتكرر، حيث شدا بها كبار الفنانين العراقيين والعرب.
بعدها، أدّت خضير بصوتها الرخيم أغنية «يا نبعة الريحان» من الفولكلور العراقي، تلتها أغنية «خالة شكو»، فأغنية «على الميعاد اجيتك».
ولكي تكون ليلة طربية بامتياز، قدمت موالاً، عبّرت من خلاله عمّا يختلج قلبها من مشاعر تنتابها الآن، وهي تقترب من دخول عقدها الثامن، حيث تقول فيه: «أنا بهذا العمر حبيت/ وأشكيلك اجيت أعاتب/ هوى تالي العمر قتّال/ وأكثر من هوى أيام الصبِّا يعذّب»، تبعته بأغنية «مروا عليّ الحلوين»، لتختتم الحفل برائعة أخرى لناظم الغزالي، وهي أغنية «طالعة من بيت أبوها».

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا